الشيخ محمد رشيد رضا

472

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وهم في لجة البحر ما يكون حولهم إلى أبعاد عظيمة من أحوال المراكب التي على ظهر لبحر وأثقالها وبعض ما يتحرك في البر أيضا هذا وان من التشبيه ما هو فتنة منفرة ، ومن التأويل ما يزيل بعض الشبهات المضللة أو المكفرة ، ولذلك نذكر بعض تأويلات الخلف ، مع استمساكنا بتفويض السلف ، وعلى هذه الطريقة كان شيخنا الأستاذ الامام إذ قال في تفسير اللوح المحفوظ في آخر سورة البروج ما نصه : « واللوح المحفوظ شئ أخبر اللّه في به ، وانه أودعه كتابه ، ولم يعرفنا حقيقته ، فعلينا أن نؤمن بأنه شيء موجود وان اللّه قد حفظ فيه كتابه ايمانا بالغيب . وأما دعوى انه جرم مخصوص في سماء معينة ، ووصفه بما جاء في روايات مختلفة ، فهو مما لم يثبت عن المعصوم صلّى اللّه عليه وسلّم بالتواتر فلا ينبغي أن يدخل في عقائد أهل اليقين من المؤمنين « وما أجدرنا لو أردنا التأويل بأن نأخذ بما قيل من أن اللوح المحفوظ هو لوح الوجود الحق ، ومعاني القرآن وقضاياه الشريفة لما كانت لا يأتيها الباطل ولا يدانيها الخطأ كانت ثابتة في لوح الواقع المحفوظ ، الذي لا حق الا ما وافقه ، ولا باطل الا ما خالفه ، ولا باقي الا ما رسم فيه ، ولا ضائع الا ما لم ينطبق عليه » اه ونقول إن تلك الروايات التي أشار إليها لم نثبت عن المعصوم بالتواتر ولا بغير التواتر من أحاديث الآحاد الصحيحة . وما ذكره من التأويل قريب مما فصله الامام الغزالي في كتاب التوحيد والتوكل من الاحياء وكلاهما مما يمكن الجمع بينه وبين الايمان بأن اللوح والقلم والعرش أشياء موجودة هي مظهر العلم الإلهي والتدبير الرباني الذي قام به نظام الكون لا تشبه أقلام البشر وألواحهم ودفاترهم التي يدونون بها نظام دولهم ومصالحهم ولا عروش ملوكهم وأمرائهم . ولكن الانسان شديد الغرور بعلمه ومألوفه فالامي والصبي وقليل الاشتغال بالعلم من أفراده أشد غرورا من العلماء واسعي العلم والاطلاع كل منهم يتخذ ما عنده من علم قليل معيارا أو قالبا لما لا يعلمه وهو كثير ، - ومهما يتسع علم المرء بالنسبة إلى غيره فما علمه بالنسبة إلى ما من شأنه أن يعلمه الا قليل فما القول بما ليس من شأنه أن يعلمه ( وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا )